الحلبي
378
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [ المائدة : الآية 6 ] إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ المائدة : الآية 6 ] فالآية مدنية إجماعا ، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة : أي فالوضوء على هذا مكي بالفرض ، مدني بالتلاوة . قال : والحكمة في ذلك : أي في نزول الآية بعد تقدم العمل لما يدل عليه أن تكون قرآنيته متلوة هذا كلامه . وقوله مع فرض الصلاة ، يحتمل أن المراد صلاة الركعتين بناء على أنهما كانتا واجبتين عليه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الموافق لما تقدم عن ابن إسحاق . ويحتمل أن المراد الصلاة الخمس : أي ليلة الإسراء ، وهو الموافق لما اقتصر عليه شيخنا الشمس الرملي حيث قال : وكان فرضه مع فرض الصلاة قبل الهجرة بسنة ، هذا كلامه . وحينئذ يكون قبل ذلك مندوبا حتى في صلاة الليل . وقول صاحب المواهب : ما ذكر من أن جبريل عليه الصلاة والسلام علمه الوضوء وأمره به يدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء فيه نظر ظاهر ، إذ لا دلالة في ذلك على الفرضية ، إذ يحتمل أن يكون اللفظ الصادر من جبريل له أمرتك أن تفعل كفعلي وصيغة أمره مشتركة بين الوجوب والندب . وذكر بعضهم أن الغرض من نزول آية المائدة بيان أن من لم يقدر على الوضوء والغسل لمرض أو لعدم الماء يباح له التيمم : أي ففرضية الوضوء والغسل سابقة على نزولها ويؤيد ذلك قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها في الآية : فأنزل اللّه تعالى آية التيمم ، ولم تقل آية الوضوء وهي هي ، لأن الوضوء كان مفروضا قبل أن توجد تلك الآية ، ويوافقه ما ذكره ابن عبد البر من اتفاق أهل السير على أن الغسل من الجنابة فرض عليه صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة . وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما ما يقتضي أن فرض الغسل كان مع فرض الصلوات ليلة الإسراء . فقد جاء عنه « كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرات ، فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل حتى جعل الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة » . قال بعض فقهائنا : رواه أبو داود ولم يضعفه ، وهو إما صحيح أو حسن ، قال ذلك البعض . ويجوز أن يكون المراد بها : أي الغرض من نزولها فرض غسل الرجلين في قراءة من قرأ « وأرجلكم بالنصب » فإن حديث جبريل ليس فيه إلا مسحهما : أي وهو أن جبريل أول ما جاء النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوحي توضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين وسجد سجدتين : أي ركع ركعتين مواجهة البيت ، ففعل النبي صلى اللّه عليه وسلم كما يرى جبريل يفعله ، هذا كلامه ، وفيه نظر ، لأن أكثر الروايات « وغسل رجليه » كما تقدم فرجليه في هذه الرواية معطوفة على وجهه كما أن أرجلكم في الآية على قراءة الجر معطوفة على الوجوه ، وإنما جرّ للمجاورة